حسن الأمين

279

مستدركات أعيان الشيعة

ب - في النحو - لقد تم وضعه واستقرت أصوله قبيل القرن الرابع فلم يشهد هذا القرن معركة الخلاف بين الكوفيين والبصريين ولكنه شهد آثار امتزاج المدرستين وتداخلهما ، فأعان هو على هذا الامتزاج بان أخذ منهما معا . ولم يتميز النحو بظاهرة جديدة عدا تركيز ما كتب الأقدمون ، وكان شرح « أبي سعيد السيرافي » للكتاب - كتاب سيبويه - من خير الشروح حتى اليوم . ولم تأت العصور المتأخرة بما يخرج عن أن يكون شرحا لمجمل ، أو إجمالا لمسهب ، أو تعقيبا على ما ورد بتعليل وتسبيب . لم يؤلف « المرتضى » في النحو ، ولكنه بما طرق من بحوث نحوية يدل على أنه كان نحويا لا يقل عن أولئك المتخصصين بالنحو . كان ( 1 ) تفسيره القرآن والحديث وتأويلهما يقتضيه عرفانا كاملا بأصول الأعراب ، ولقد طرق أبوابا من النحو - وبخاصة عند الكلام على حروف المعاني - في استيفاء شامل ، لا يقل دقة واستيعابا عما كتبه المتخصصون ( 2 ) في حروف المعاني . وقف على مذهب البصريين والكوفيين ولكنه لم يلتزم مذهبا بعينه ، بل حاول أن ينتفع باي من المذهبين حين يعينه على مساندة الوجه الذي ذهب إليه ، وربما مزج بين النحو والكلام أو بين النحو والبلاغة ، في براعة قد يجهلها كل من النحويين والكلاميين على انفراد ، ( 3 ) ولقد يمر عليك وأنت تستعرض كتبه آراء كثير من أعلام النحو من سابقيه ومعاصريه ، مما يدل على أن الرجل قرأ كثيرا من كتب النحو وخالط كثيرا من أعلامهم . ( 4 ) ج - في البلاغة - انتهى القرن الرابع والبلاغة - دون بقية علوم العربية - لم تستوف نصيبا من نضج ، ولا حظا من دراسة محكمة ، وجل ما بلغته أن شرح فيها معنى اللفظين المفردين - الفصاحة والبلاغة - وأن تحدث عن المجاز في غير تفريق واضح بين أنواعه ، وأن تكلم عن الكتابة بوجه مجمل ، وأن تلمست بعض وجوه الجمال في النصوص القرآنية ، وفي الحديث النبوي ، وأن استكثر من الكلام على الأنواع البديعية . تحدث عن هذا « جعفر بن يحيى » و « قدامة بن جعفر » ، و « الجاحظ » و « ابن المعتز » ، وعنيت به الكتب التي انبرت للحديث عن مجاز القرآن ، أو مجاز الحديث ، أمثال مجازات القرآن « لأبي عبيدة » ، ومجازات الحديث « للشريف الرضي » . فان تجاوزنا البلاغة بمعناها الفني الدقيق إلى كتب النقد ، وأدخلناها ضمن كتب البلاغة صح أن نجد آثارا بلاغية فيما كتب « أحمد بن عبيد الله ابن عمار » والآمدي في الموازنة ، وفيما كتبه أبو هلال العسكري في « أسرار الصناعتين » ، وفي كتاب « الوساطة بين المتنبي وخصومه » . لم يؤلف المرتضى كتابا في البلاغة بمعناها الفني الدقيق ، ولم يعرف برأي مستقل فيها اللهم إلا ما كان امتدادا للنظام والجاحظ وبعض شيوخ المعتزلة : من الذهاب إلى أن الاعجاز القرآني يعود إلى صرف الله العرب عن مجاراته ، والإتيان بشيء من مثله ، وهو مذهب دعت إليه - فيما يخيل لي - أصول الكلام عند المعتزلة . وللمرتضى كتاب باسم « الصرفة » سنتحدث عنه في الحديث عن مؤلفاته ، ولكن بقية أحكامه على سر الاعجاز تدل على أنه يراها في النظم . فان أردنا « البلاغة » بمعنى « النقد » ألفينا « المرتضى » داخلا في أعلام البلاغيين . لا بد للمرتضى وهو من أعلام الشيعة من معرفة وجوه الكلام وتأويلاته ، ولا مناص للمتكلم إذ يتعرض إلى النصوص القرآنية ، ونصوص الحديث ، من أن يصرفها عن ظاهرها الذي لا يتفق مع ما يراه وهو إذ يصرفها عن معانيها الحقيقية لا بد له من أن يذهب إلى وجه من وجوه المجاز لغويا أو عقليا ، استعارة أو كناية أو تمثيلا . ( 5 ) وهذه الأبواب من أجل المباحث البلاغية . على أن المرتضى لم يقف في حديثه البلاغي عند هذه الأبواب التي أدخلت أخيرا في نطاق « علم البيان » ، بل تجاوز ذلك إلى مباحث تتصل « بعلم المعاني » . تكلم عن الإيجاز والحذف في تفرقة دقيقة ، وعن التأكيد والتكرار ، وعن الفصل والوصل . ( 6 ) ومع كل هذا فلا يصح أن يدعى أن المرتضى جاء في البلاغة بمعناها الدقيق بشيء جديد . فإذا انتقلنا إلى البلاغة بمعنى تلمس وجوه الجمال في القطعة الأدبية ، والموازنة بين المعاني ، ( 7 ) والتعقيب على الناقدين ، ألفينا « المرتضى » في طليعة الناقدين . ذكر من بين كتبه « تتبع الأبيات » التي تكلم عنها ابن [ جيي ] جني في أبيات المعاني « للمتنبي » : و « الشهاب في الشيب والشباب » ، وقد وازن بين ما قالت الشعراء فيه ، و « طيف الخيال » وقد استعرض كثيرا مما نظم فيه ، ووازن بين معانيه . كما ناقش « الآمدي » في موازنته بين الشعراء في كثير من أبواب « الأمالي ، ( 8 ) وربما تعرض لأحمد بن عبيد الله ( 9 ) ابن عمار - وهو من قدامي من ألفوا في الموازنات - فيما وازن بين الشعراء ، وللصولي ( 10 ) د - في الأدب - وقد كان يطلق يومها على رواية الطريف من أخبار العرب وأيامهم ، وتراجم أعلامهم وسادتهم ، والإلمام بمنظومهم ومنثورهم ، وما يتصل بالمنثور والمنظوم ، من مسائل النحو والصرف والبلاغة وعلوم الشريعة . يعرض جميع ذلك في هيئة موضوعات أو أمال ، يستطرد فيها بالمناسبة من موضوع إلى موضوع ، ومن فكرة إلى فكرة . قال ابن خلدون في « تعريف الأدب » : هو حفظ أشعار العرب

--> ( 1 ) الأمالي تحقيق محمد أبو الفضل ج 2 ص 29 . ( 2 ) الأمالي ج 2 ص 296 إلى 299 ، 55 ، 309 ، 314 . والشافي ط إيران ص 219 . ( 3 ) الأمالي ج 2 ص 300 ، 309 . ( 4 ) الأمالي ج 1 ص 465 ، 514 ، 629 ، وج 2 ص 131 ، 177 ، 180 إلى 184 ، 224 ، 266 ، 296 - 298 ، 304 ، 308 . ( 5 ) الأمالي ج 1 ط مصر - ص 95 ، 231 ، 247 ، 380 وج 2 ص 124 - 130 ، 145 147 . ( 6 ) الأمالي ج 1 ص 120 ، 228 - 231 ، 350 ، 352 ، 365 ، وج 2 ص 2 - 5 ، 73 ، 309 . ( 7 ) الأمالي ج 1 ص 85 ، 60 ، 93 ، 98 ، 119 ، 146 ، 171 ، 239 ، 253 ، 279 ، 290 ، 305 ، 357 ، 387 ، 399 ، 456 ، 532 ، 537 ، وج 2 ص 76 - 78 ، 111 - 119 ، 610 - 612 ، 624 . ( 8 ) الأمالي ج 1 - ص 610 - 612 ، 624 . ( 9 ) الأمالي ج 2 ص 54 - 56 ، 624 - 625 ، وج 2 ص 91 - 97 ، 247 - 250 ، 254 - 256 . ( 10 ) الأمالي تحقيق محمد أبو الفضل ج 2 ص 29 .